أبي حيان التوحيدي

28

المقابسات

الناجذ على الحق ، وغض الطرف عن الباطل ، ووطء هامة عدو اللّه والدين بالأشدّ فالأشد ، والأحدّ فالأحد ، وإسلام النفس للّه فيما حاز رضاه وجانب سخطه ، ولا بد من قول ينفع إذ قد أضر السكوت وخيف غبّه ؛ ولقد أرشدك من أفاء « 1 » ضالتك ، وصافاك من أحيا مودته لك بعتابك ، وأراد [ لك ] الخير من آثر البقاء معك ؛ ما هذا الذي تسول لك نفسك ، ويدوى به قلبك ، ويلتوى عليه رأيك ، ويتخاوص « 2 » دونه طرفك ، ويستشرى « 3 » به ضغنك ، ويتردّد معه نفسك ، وتكثر لأجله صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك ؟ أعجمة بعد إفصاح ؟ ألبس بعد إيضاح ؟ أدين غير دين اللّه ؟ اخلق غير خلق القرآن ؟ أهدي غير هدي محمد ؟ ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، امثلى تمشى له الضرّاء ويدبّ له الخمر « 4 » ؟ أم مثلك يغص له الفضاء ويكسف في عينه القمر ! ما هذه القعقعة بالشّنان « 5 » ؟ [ ما هذه ] الوعوة باللسان ! إنك [ واللّه ] لجد عارف باستجابتنا للّه ولرسوله ، وخروجنا من أوطاننا و [ أموالنا ] وأولادنا وأحبتنا ، هجرة إلى اللّه ، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصّبا ، وخدر الغرارة ، [ وعنفوان الشبيبة ] غافل عما يشيب ويريب ، لا تعى ما يشاد ويراذ ، ولا تحصل ما يساق ويقاد ، سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك ، وسجايا الفتيان أشكالك ، حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت ، وعندها حط رحلك ، غير مجهول القدر ، ولا مجحود الفضل ، ونحن في أثناء ذلك نعانى أحوالا تزيل الرواسي ، ونقاسى أهوالا تشيب النواصي ، خائضين غمارها ، راكبين تيارها ، نتجرع صلبها ،

--> ( 1 ) أفاء : أعاد ( 2 ) التخاوص : هو أن تنظر إلى الشئ كما تحاول أن تنظر في عين الشمس وهي حالة تشير إلى أن هذا النظر لا يكون إلا عن تفكر عميق ( 3 ) يستشرى : يتزايد ( 4 ) أي يستخفى له وراء الشجر . وهو مثل يضرب لمن يحاول الختل ( 5 ) القعقعة : الصوت . والشنان جمع شن : وهو المزادة التي تقادم عهدها بالماء حتى جفت وصار له صوت إذا هزت . وهو مثل لمن يخوف بغير شئ مخوف